محمد كرد علي

338

خطط الشام

( 1908 ) جريدة المقتبس يومية سياسية ، بعد أن صدر المقتبس ثلاث سنين في القاهرة مجلة شهرية علمية ، وعدت إلى إصدار المجلة أيضا . وكان المقتبس السياسي معتدلا بلهجته ، وطنيا بمسلكه ، ينتقد ما يمكنه نقده من مواطن الخلل في الإدارة العثمانية ، وما رمى إلى الانفصال عن الترك قط ، بل كان يرمي إلى استحصال حقوق العرب ضمن الجامعة العثمانية الكبرى ، فلم يرق هذا أيضا بعض رجال الدور الحميدي ، وأخذوا يقاومون المقتبس وصاحبه ، ويقيمون عليه الدعاوي المزورة ، يصدرها الظالمون المرتشون من الموظفين ، ممن دأبنا على الكيد لهم ، والعمل على تنحيتهم ، حتى جاء زمن وعلى المقتبس عشرات من الدعاوي ، يطلب فيها أصحابها جزاء المفتري على الأكثر ، لأنهم أبرياء بزعمهم مما نسب إليهم . ومن أغرب دعوى الوالي الحميدي عليّ في السنة الأولى اتهامه إياي بالارتجاع ، أي إرجاع عهد عبد الحميد الاستبدادي ، وهو الدور الذي بكيت من أهواله ، وقد هجرت الأهل والوطن فرارا من كابوسه ، ولكن أعمالي في خدمة الحرية سنين طويلة ، كذبته وأشياعه من الحميديين الاتحاديين . وقد اضطررت في هذه الدعوى إلى مغادرة الشام ، فركبت البحر إلى فرنسا ، وأخذ الوالي يهدد القضاة بالعزل إذا لم يحكموا عليّ بالجناية ، وصرفت الوقت في باريز أدرس مدنيتها وأستفيد من لقاء علمائها وساستها ، ووقفت وقوفا حسنا على حركتها العلمية والسياسية ، وذلك بواسطة جماعة من أصدقائي علماء المشرقيات ، عرفوني إلى الطبقة العليا التي أردت التعرف إليها في عاصمة الفرنسيس ، وفي مقدمتهم فيلسوف فرنسا المرحوم إميل بوترو . وقد سألته أن يكتب لي جريدة بأمهات الكتب التاريخية والاجتماعية والأدبية والاقتصادية ، فتفضل وكتب لي ما أردت ، فابتعته وطالعته كله مطالعة درس ، ولا أزال إلى اليوم أجعل تلك المجموعة المختارة سلوتي في خلوتي وجلوتي . كتبت خمسا وثلاثين مقالة ومحاضرة في وصف سياحتي ، ولا سيما في وصف عاصمة فرنسا ، وطبعت هذه المقالات في كتاب سميته « غرائب الغرب » وما كان في الحقيقة إلا غرائب باريز ليس إلا . وبعد أن أقمت ثلاثة أشهر في « كارتيه لاتين » بباريز عدت إلى الآستانة عن طريق قينا